تصاعدت وتيرة الغضب بين أولياء أمور طلاب مدرسة اللواء الرسمية للغات بمحافظة الجيزة، عقب صدور قرار إداري يقضي باستضافة طلاب مدرسة القدس الحكومية داخل مبنى المدرسة، معتبرين أن الإجراء يهدد المسار التعليمي لأبنائهم.
​
​
واحتشد العشرات من الأهالي والطلاب في محيط المؤسسة التعليمية، معلنين رفضهم القاطع لفرض نظام الفترتين وتسكين طلاب التعليم العام داخل مدرسة تجريبية، ومطالبين بالإلغاء الفوري للقرار لإنهاء حالة الارتباك التي خيمت على بداية العام الدراسي.

​

​
تداعيات خطيرة على اليوم الدراسي
​
​
وانطلقت الاحتجاجات على خلفية مخاوف حقيقية من تقليص زمن الحصص الدراسية المقررة لمناهج اللغات، إذ يفرض حضور طلاب مدرسة أخرى تقليص ساعات الدراسة اليومية إلى النصف تقريبًا لتوزيع الفترات بين المدرستين المتجاورتين داخل منشأة واحدة.
​
​
وأكد الدكتور كمال مغيث، الباحث بالمركز القومي للبحوث التربوية، أن تحميل المدارس التجريبية أعباء إضافية يعكس عجزًا واضحًا في إدارة أزمة الكثافات الطلابية، وتطبيقًا لحلول ترقيعية متسرعة لا تراعي متطلبات تدريس المناهج باللغات الأجنبية.
​
​
بالإضافة إلى ذلك، اشتكى أولياء الأمور من دفعهم مصروفات دراسية سنوية تتجاوز 3000 جنيه مصري مقابل خدمات تعليمية متميزة، ليجدوا أنفسهم أمام واقع تعليمي متدهور يفتقر لأدنى معايير البيئة التعليمية المتفق عليها مسبقًا مع الإدارة.
​
​
ومع ذلك، لم تقدم الإدارة التعليمية أي توضيحات كافية حول كيفية الحفاظ على المعامل وقاعات الأنشطة المجهزة، والتي استثمر فيها أهالي الطلاب مبالغ إضافية لضمان جودة تحصيل العلوم والحاسب الآلي على مدار السنوات الماضية.
​
​
علاوة على ذلك، أدى القرار إلى حالة من الفوضى التنظيمية داخل المدرسة مع حلول شهر أكتوبر الحالي، حيث عجزت الإدارة المدرسية عن تنظيم جداول المعلمين وتوزيع القاعات، مما دفع الطلاب للانتظار خارج الفصول في مشاهد تعكس سوء التخطيط.
​
​
وفي المقابل، اعتبر المتظاهرون أن القرارات الإدارية المفاجئة تُنزل بالمدارس التجريبية مستويات عشوائية لا تتناسب مع بنيتها التحتية المحدودة، محملين وزارة التربية والتعليم المسؤولية الكاملة عن تعريض سلامة واستقرار التلاميذ لضغوط نفسية حادة.
​
​
اختلال الفلسفة التعليمية بين النموذجين
​
​
ومن جهة أخرى، يبرز التباين الهيكلي بين طبيعة التعليم التجريبي لغات والتعليم العام كعائق تقني وتربوي رئيسي، إذ يعتمد الأول على مناهج مكثفة تتطلب بقاء التلميذ فترات أطول للممارسة والتدريب، وهو ما يقوضه تمامًا نظام الفترات المشتركة.
​
​
وفي هذا السياق، أوضح الدكتور محمد عبد العزيز، الخبير التربوي وأستاذ أصول التربية، أن دمج مدرستين تختلفان في فلسفة التدريس وأسلوب توزيع الساعات المعتمدة يؤدي حتمًا إلى تراجع التحصيل العلمي وتوليد احتكاكات إدارية بين الكوادر التعليمية.
​
​
وبناءً على ذلك، يرى أولياء الأمور أن حرمان أبنائهم من قضاء اليوم المدرسي الطبيعي حتى الساعة 2:30 ظهرًا يخل بالاتفاق التعليمي المبرم مع الوزارة، ويحول المدرسة النموذجية إلى مركز متكدس يشبه المدارس غير المجهزة.
​
​
فضلًا عن ذلك، تسبب الإعلان عن إخلاء المبنى في تمام الساعة 11:30 صباحًا لإتاحة المجال للفترة الثانية في تعطيل خطط الأسر العاملة، التي اعتمدت جدولًا زمنيًا ثابتًا لرعاية أطفالها بعد انتهاء ساعات الدوام الرسمي.
​
​
ومن ثم، فقد تحول محيط المدرسة إلى ساحة اعتصام سلمي رفعت فيه لافتات تطالب باحترام حقوق طلاب اللغات، وتؤكد أن حل أزمة كثافة الفصول العامة لا يجب أن يكون على حساب تجريف تجربة التعليم التجريبي.
​
​
وعلى صعيد متصل، حذر المشاركون في الوقفة من نشوب نزاعات يومية بين إدارتي المدرستين بسبب الإشراف ونظافة المرافق، في ظل غياب ميزانيات تشغيل إضافية قادرة على تلبية متطلبات صيانة المبنى بعد انتهاء كل فترة دراسية.
​
​
فشل خطط استيعاب الكثافات الطلابية
​
​
ومن زاوية أشمل، تفضح هذه الاحتجاجات هشاشة الخطط الحكومية المعلنة بشأن السيطرة على كثافات الفصول، حيث لجأت الإدارات المحلية إلى دمج المدارس دون توفير بدائل إنشائية حقيقية تستوعب النمو السكاني المتزايد في المحافظات الكبرى.
​
​
وأشار الخبير الاقتصادي والباحث في السياسات العامة وائل جمال إلى أن الأزمة الحالية هي نتاج مباشر لتقليص الإنفاق الحكومي على البنية التحتية للتعليم الأساسي، والاعتماد على حلول مكانية قسرية تفاقم الاحتقان المجتمعي بدلًا من بناء منشآت جديدة.
​
​
وبالتالي، يدفع أولياء الأمور والطلاب ثمن غياب الرؤية الاستراتيجية لملف التعليم، بعدما تحولت محاولات تخفيض الأعداد داخل الفصل الواحد إلى عملية إعادة تدوير للأزمة بين مبانٍ متهالكة ومبانٍ تعاني أصلًا من ضغط الاستيعاب.

 

وجدير بالذكر أن محافظة الجيزة تسجل أحد أعلى معدلات الكثافة في الجمهورية، حيث تتجاوز الأعداد في بعض الفصول 70 طالبًا، الأمر الذي جعل التدخلات الإدارية الأخيرة بمثابة صدمة لأولياء أمور اعتقدوا أنهم نجوا من هذا التكدس.
​
​
وعلى الرغم من الوعود المستمرة بتطوير المنظومة، إلا أن الوقائع اليومية تكشف عن اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش، مما يضع استقرار العملية التعليمية أمام اختبارات حقيقية تتكرر مع مطلع كل عام دراسي دون حسم.
​
​
واختتم المحتجون وقفتهم بتقديم مذكرات رسمية للمسؤولين في مديرية التربية والتعليم بالجيزة، مؤكدين استمرارهم في التظاهر ورفض دخول الفصول بنظام الفترات حتى يتم التراجع التام عن قرار الدمج وإعادة المدرسة لنظامها الأصلي.